أخبار وطنية أنشطة جمعوية فن و ثقافة كتاب الرأي

عندما تمتزج الهشاشة الإجتماعية والهشاشة السياسية..قراءة نقدية لمسرحية “شابكة”

بقلم : ف.ساحي

عندما تصطدم المبادئ مع “اللامبادئ” : هشاشة اجتماعية يقودها الفقر، فقر يعيشه عمود من أعمدة تكوين المجتمع ألا و هو المدرس، مربي الأجيال الذي يسكب دمه قطرة قطرة طوال مسيرته العملية ليوضع بعد التقاعد على الرف لا يملك إلا مبادئه…
هشاشة سياسية عندما تُسند الأمور إلى غير أصحابها، خاصة إذا كنت تعرف حقيقتهم (اعتراف المدرسة بمستوى تلميذها “الوزير”).
ترفض المُدرّسة هذا الوضع في الوقت الذي يتخلى فيه الأب و الإبن عن كرامتهما و كبريائهما و يضربانهما عرض الحائط بسبب الفقر الذي يعيشانه : “أب متقاعد و ابن حامل للشهادات معطل” يسعيان إلى استغلال أن الأم كانت مدرسة لذلك “الوزير” لكي تتوسط إليهما لديه لإصلاح أمرهما، و هنا يطل علينا عبر حوار الشخصيات مرض اجتماعي آخر يشل حركة سير البلاد و يحول دون أن يأخذ كل من يستحق حقا حقه ألا و هو “الوساطة و المحسوبية” التي تهضم حقوق أهل الحقوق…
يظل الصراع بين الأم المُدرسة صاحبة المبادئ و الزوج و الإبن اليائسين المقهورين و اللذان يسعيان إلى تحسين وضعهما بمساعدة من ذلك “الوزير” و لكن “المبادئ” المجسدة في المدرسة تطغى على كل ما يدخل في مجال الخطأ (الوساطة) فلا عيش لمن ينحني أمام من يملك سلطة عليه داسا على كرامته !
و تظل المبادئ هي العليا و يقتنع الأب بذلك حين يقول في آخر العرض “ماكانستاهلوكش أصليحة”، ف”صليحة” رمز للصواب… رمز للكرامة… رمز للصمود و عدم الإنكسار و الإنحناء… هو اعتراف منه بضبابية الطريق الذي أراد السير فيه “الوقت متشابكة و خاصنا نتشابكو معها” هكذا كان يقول… هو الزوج الذي قهره الزمن بعد التقاعد، حتى عندما أراد تسوية وضعيته و الحصول على “كشك” يُبرز فيه ذاته، “ذاق طلبه الموت”
هو الزوج الذي كان عندما تكثر مشاكله يتجه إلا “الثلاجة”… الثلاجة قد تكون رمزا لتهدئة الأعصاب أو رمزا لتجميد الذوات و شل حركتها بل و حتى إحساسها… حتى الزواج نعثه ب”الثلاجة” و هذا دليل على موت و تجميده بسبب المتاعب… هو لم يعرف حتى معنى الزواج إلا بعد مرور 30 سنة… فخلال هذه 30 سنة كانت حركية العمل و البحث عن الذات و السعي إلى تحسين الأوضاع فلا إحساس بالمشاعر و لا إحساس بالزمن، أما الآن و قد انتهت كل تلك المشاغل و حضرت مرحلة “التقاعد” تقاعد يساوي الفراغ و قلة ذات اليد… بل أصعب من ذلك شل الحركة حين لا يُمنح للمتقاعد فرصة الوقوف على قدميه مرة أخرى و فرض ذاته و الحصول على رغباته و صقل مواهبه و الإحساس بكيانه (رفض طلب الكشك… وضعه في الثلاجة بل تذوقه للموت) فيصبح التقاعد و النهاية مرادفان.
عندما يحدث كل هذا يجد الشخص نفسه متفرغا لعالمه… هذا الفراغ يجعله يتأمل حياته… يتأمل حتى المكان الذي يأويه… يتعرف على من يعيش معهم و كأنه أول مرة يقوم بذلك… هي نظرة بأعين أخرى… و إحساس بكيان آخر… أعين و كيان تطغى عليهما لمسة اسمها “التقاعد”.
فكرة المذياع تجسد العلاقة بين ربة البيت و المذياع، فغالبا ما تجدها تحاوره أعجبها الخبر الذي ينشره أم لم يعجبها، دوما تحاوره… قد تردد معه أغنية، أو تعمل بنصيحة طبيب مذاعة عبر قنواته أو تطبق إحدى وصفات طبخ يقدمها أو تجرب مساحيق لبشرتها… فتكون راضية… هادئة و بمجرد أن يُذيع خبرا لا يناسبها… لا تستسيغه… لا تتقبله تجدها ثائرة… قد تصرخ في وجه الراديو و كأن المذيع أمامها… قد تسب و تلعن و تتمنى لو كان ناقل الخبر أمامها لخنقه بيديها… و لكن الأسوء هو أنها مهما عملت… مهما ثارت… مهما رفضت الخبر فإنه يخاطبها قائلا : “المطلوب الإستماع و الإبتلاع”
فكرة أن يعطي المخرج لمن لعب دور الراديو فسحة ليرتجل و يعبر عن ما يريد أن يقول في آخر المسرحية عندما طلبت منه المدرسة أن يتوقف عن الإرسال، فكرة جيدة جدا، و تدل على حنكة المخرج… هو فعلا توقف عن الإرسال و لكن لم يرد أن يغادر خشبة المسرح إلا بعدما يفرغ ما بداخله و باللغة العربية الفصحى… صرخ… أعطى لجسده فرصة التعبير ثم انصرف متوعدا المدرسة أنه عائد في نهاية العرض لكي يغني…
الغناء… أسلوب جيد أعطى للمسرحية جمالية، خاصة و أن الموسيقى و الأصوات كانت حية على الخشبة، يعني تجاوز هذا العمل أسلوب التسجيلات الذي يجعل المتفرج كأنه مخدوع : تُسمع الموسيقى و ترى الممثل يحرك شفاهه متتبعا النغمات…
موسيقى “شابكة” كانت حية بموسيقييها معبّرة… مليئة بالإحساس… تعبُر رناتها و أصوات المغنين أذني المتفرج… تحمله إلى عالم الإحساس بالرنة… بمعنى كلمات الأغاني بعدما كانت المشاهد تحلق بعينيه في عالم تمعن لحركة الممثل على الخشبة… حركة تجعلك تحس أنه جزء منك… أنه ظلك -و هذه هي روعة هذا العمل الفني- فهو يصل إلى ذاتك كاملا يعني مائة بالمائة و أنت تشاهده لا مجال للشرود أو الملل من لقطاته… موسيقى حية… حركات متقنة و هادفة فمثلا حركة الفنان “عبد الله شيشة” لم تكن حركات بهلوانية القصد منها أن يضحك الجمهور -كأنه طفل يشاهد البهلوان- بل كانت حركات هادفة جدا تحمل رسالة قوية للجمهور…
إختيار أغاني السبعينات رمز إلى الحنين إلى الزمن الجميل… زمن الكلمة الدالة و الصرخة القوية التي تجسد الثورة (أغنية المشاهب)، الثورة التي أصبحت مجسدة في وقتنا الحالي -و بطرق مختلفة- ثورة الإنتفاضات و إسماع الصرخات…
كل مكونات “شابكة” أدت المهمة الموكولة لها بامتياز :
نص جيد… إخراج راق… أداء مميز لكل من طأت قدماه خشبة المسرح… عمل جيد لجنود الخفاء… إضاءة رائعة و منسقة لا تزعج عيناي المتفرج… ديكور في غاية الروعة -(لأننا تعبنا من ديكورات “مسرح الصالون” الذي تحس فيه أن الممثل جالس معك في صالون بيتك… نريد أن تتمتع أعيننا بكل ما هو جديد)- : المذياع (ظهور الشخصيات عبره… حاضرة… تنتظر دورها)… السطح… الكراسي الصغيرة جدا… السلم و درجاته و تحرك الممثلين عبرها و هم يحملون الميكروفونات و آلات العزف و تمكنهم من الأداء… أصوات من أنشد في غاية الروعة لا تجدها حتى في مسابقات الغناء…
“شابكة” جمعت كل هذا و كل ما وراءه، تحس و أنت تتفرج عليها من بدايتها بأنها تحضنك… بأنها تخاطبك و الأهم من كل هذا بأنها معك : عندما يبدأ المذياع بتقديم العرض و ينطق باسم كاتب العمل “عبد الكريم برشيد” و تصيح المدرسة بأنها لا تعرفه… تتساءل هل هو لاعب كرة القدم –> هزتني كمتفرجة هذه الجملة لأن فعلا نعرف أسماء لاعبي الكرة و ……. و ……. و تغيب عنا أسماء سادة الأدب و اللغة… ترفض المدرسة أن يُذكر من بطل المسرحية –> أبهرتني لأن الكل “بطل”، من لعب على خشبة المسرح و من هو في حياته اليومية العادية => الكل بطل…
و هنا تظهر روعة و بساطة بل و تواضع كل أهل هذا العمل فتحسهم أنهم ليسوا أعلاك، بل هم معك في نفس درج السلم، و هذا شيء مُفتقد في زمننا فترى من لا مستوى و لا ثقافة و لا تمكن و لا حتى موهبة لهم يجلسون على الصدارة و أنوفهم في الأعلى…
إنه حال كل فنان متميز كما هم فنانوا هذه المسرحية بكل مستوياتهم و كل حسب إطلالته… إنه تواضع من يعمل في الخفاء و لكن عندما تُعطاه فرصة الظهور يُبهرك…
و رغم كل هذا “التشابك” الذي أظهرته “شابكة” فتبقى الصرخة قوية و المبادئ موجودة و مُتمسك بها، و هذا يتجلى في وقوف المدرسة وقفة سوية و ترديدها مع الزوج و الإبن و حتى المذياع في آخر مشهد من المسرحية لأغنية “المشاهب” بصوت و حركة و نغمة تدل على أن الرسالة وصلت، فلا مجال للضعف و الإنحناء و تدعو إلى عدم تسليم الأعناق مهما ضغط علينا الزمان و الأحداث… مهما عشنا الفقر و التهميش و المحافظة على مبادئنا و التشبث بها لأنها لا تذبل أبدا… هذه النهاية هي بداية للمتفرج تُعطيه فسحة أمل و قوة عزيمة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *